الملا فتح الله الكاشاني
84
زبدة التفاسير
وقوله : * ( لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ ) * متعلَّق ب « قاتلوا » أي : ليكن غرضكم في مقاتلتهم أن ينتهوا عمّا هم عليه ، لا إيصال الأذيّة بهم كما هو طريقة المؤذين . وهذا من غاية كرمه العميم وفضله الجسيم ، جلّ كرمه وعظم فضله . أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وهُمْ بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّه أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْه إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 13 ) ثمّ حرّض المؤمنين على القتال ، فقال : * ( أَلا تُقاتِلُونَ ) * دخول الهمزة على « لا » للإنكار ، فأفادت المبالغة في الفعل والتحريض فيه ، أي : هلَّا تقاتلون * ( قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ ) * الَّتي حلفوها مع الرسول والمؤمنين على أن لا يعاونوا عليهم ، فعاونوا بني بكر على خزاعة * ( وهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ ) * حين تشاوروا في أمره بدار الندوة ، فأذن اللَّه له في الهجرة ، فخرج بنفسه ، على ما مرّ ذكره في قوله : * ( وإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) * « 1 » . وقيل : هم اليهود نكثوا عهد رسول اللَّه ، وهمّوا بإخراجه من المدينة . * ( وَهُمْ بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) * بالمعاداة والمقاتلة ، لأنّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم بدأهم بالدعوة وإلزام الحجّة بالكتاب والتحدّي به ، فعدلوا عن معارضته إلى المعاداة والمقاتلة ، والبادي أظلم ، فما يمنعكم أن تقابلوهم وتقاتلوهم ؟ * ( أَتَخْشَوْنَهُمْ ) * الهمزة للتوبيخ الَّذي يتضمّن التشجيع ، أي : أتتركون قتالهم خشية أن ينالكم مكروه منهم ؟ * ( فَاللَّه أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْه ) * فقاتلوا أعداءه ولا تتركوا أمره * ( إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) * فإنّ قضيّة الايمان أن لا يخشى المؤمن إلَّا ربّه ، ولا يبالي بمن سواه ، كقوله : * ( ولا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّه ) * « 2 » .
--> ( 1 ) راجع ص : 33 ذيل الآية 30 من سورة الأنفال . ( 2 ) الأحزاب : 39 .